عبد الملك الجويني

54

الشامل في أصول الدين

فإن زعم أنه متحيز ، فالذي أثبته جوهر ، وكأنه يقول : إنما اختص جوهر بجهة لجوهر آخر ، وهذا واضح البطلان . فإن الجوهر الذي قدّره ، يجوز تقدير عدمه مع بقاء اختصاص الجوهر الذي فيه الكلام بجهته ، ثم ليس بعض الجواهر باقتضاء ذلك أولى من بعض ، إذ هي متماثلة ويلزم من ذلك أن يقتضي الجوهر لنفسه اختصاصا من حيث أنه جوهر ، وهذا عود إلى القسم الأول . وأيضا فإن الجوهر الذي يقدره موجبا ، يجوز تقدير بقائه مع زوال اختصاص الجوهر الآخر بالجهة المخصوصة به ، ولا يزول الموجب مع بقاء الموجب . وإن زعم الخصم أن المقتضى ليس من جنس الجواهر ، وهو غير متحيز ، فقد أثبت العرض . فإن خالفنا بعد ذلك في قيامه بالجوهر ، فهو تسليم الأصل ومخالفة في التفصيل . وسنتكلم في قيام العرض بالجواهر ، إذا أثبتنا أصلها . وإن زعم الخصم أن الجوهر إنما اختص بجعل جاعل فقال : لا بد للفاعل من فعل ، وكل فعل شيء وذات ، فما فعل الفاعل في موضع كلامنا ؟ فإن تجاهلوا وقالوا : المفعول ذات الجوهر في اختصاصه ، كان ذلك خارجا عن التحقيق . فإن فرضنا الكلام في جوهر تقدم وجوده ، واستمر بقاؤه ، وهو قديم عند مخالفنا ، والثابت الموجود لا يتصور أن يفعل من غير تقدير عدم وجود ، ولو جاز تقدير من غير تجدد ، لجاز أن تكون جواهر العالم فعلا لنا ، وإن لم تتجدد بنا . ثم أقصى غرضنا أن يعترف خصمنا بأن العالم مفعول وله فاعل . وإن زعم الخصم أن الفعل اختصاص الجوهر لا ذاته ، فقد أثبت اختصاصا مفعولا وهو الكون الذي يمنعه . وإن زعم الخصم أن كون الجوهر مختصا من أثر قدرة قادر ، وهو حال يثبت بالقدرة من غير إثبات عرض موجب له ، فالجواب عن ذلك من أوجه : أحدها : أن نقول : قد ذهب معظم المحققين من المتكلمين إلى نفي الأحوال ، وهذا الأثر الذي أثبتموه لا يخلو إما أن يكون زائدا على ذات الجوهر ، وإما أن يكون عين الجوهر . فإن كان عين الجوهر كان محالا ، فإن الجوهر باق مستمر الوجود عندنا قديم عند خصومنا ؛ فاستحال كون ذاته من أثر القدرة . وإن كان الأثر الذي أثبتموه زائدا على ذات الجوهر ؛ فلا يخلو إما أن يوصف بالعدم ؛ أو يوصف بالوجود . فإن وصف بالعدم ، فهو نفي محض ، فلم يثبت للقدرة إذن أثر . وإن وصف بالوجود فهو العرض الذي رمنا إثباته . فأما تقدير حال لا يوصف بالوجود ولا بالعدم ، فلا محصول له .